محمد بن عمر التونسي
33
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
وبعد انقضاء السلام قال أبى لوالده : أيسوغ لك أن تتركنا هذه المدة بدون نفقة ونحن صغار ، ولولا أن اللّه سخّر لنا خالنا كنا « 1 » ضائعين ؟ فقال والدي : ما حيلتي والقضاء والقدر يجريان على وفق الإرادة العليّة ، مفرد من الكامل : إنّ المقدّر كائن لا ينمحى * ولك الأمان من الذي ما قدّرا فقال أبى لوالده : ألم يأن لك أن ترجع إلى بلدك ، وتقرّ أعيننا برؤيتك ؟ فقال : يكون ذلك إن شاء اللّه . قال له والدي : متى ؟ قال : أنا الآن متوجّه إلى القاهرة ، أبيع ما معي من الرقيق ، وأرجع إلى سنّار ، وآخذ متاعي وأولادي ، وآتى « 2 » إلى القاهرة ، وأنتما تتوجّهان للحج ، وترجعان إلى القاهرة ، فنجتمع هناك ، وكل من سبق صاحبه انتظره هناك . ثم ودّعهما وتوجّه كلّ منهم إلى سبيله ، على حد قول الشاعر ، من الكامل : لم أستتمّ سلامه لقدومه * حتى ابتدأت سلامه لوداعه فتوجّه والدي وخاله إلى الحج ، وتوجّه جدّى إلى المحروسة . أما جدى فباع رقيقه وتسوّق ، ورجع إلى سنار . وأما والدي وخاله فتوجّها إلى الحجاز ، ومكثا بالطائف حتى جاء وقت الحج ، فقدما مكة وحجّا . وبعد انقضاء الحج توفّى خاله في مكة المشرفة ، ودفن بباب المعلى ، ثم رجع والدي إلى القاهرة فما وجد أباه ، فأقام ينتظره مدة فلم يأت . ( 33 ) وكان أبى في هذه المدة يحضر العلوم بالجامع الأزهر ، ولمّا أعياه الانتظار ، توجه إلى سنار ، مع قافلة أتت . فلما وصل إليه ، وجده قارّا في داره ، مغتبطا بأولاده وعياله ، لا يسأل عن غيرهم ، ولا يخطر له السفر على باله . فسأله عن سبب خلف الوعد ، ولم جعل
--> ( 1 ) كذا في الأصل . ( 2 ) رسم الكلمة في الأصل : وأاتى .